|
|
New Page 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين،
وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛
وبعد!
بين أيدينا الآن نصوص قرآنية كريمة تندرج في باب الفرع الذي يحتاج النظرُ فيه
الرجوعَ إلى الأصل كي يُستَجلى معناه الخاص؛ وبين أيدينا أيضاً نصوص أخرى: نبوية
شريفة، وإمامية معتبرة، تمثّل نموذجاً لرؤىً تربوية خاصة أو تجسيداً لحالات
اجتماعية معينة.. فنسأل اللهَ ــ تعالى ــ أن يوفِّقنا في عملية تأويل ما تشابه
منها، وفي مقاربة ما أُحكم من بيّناتها، وفي استظهار ما صح منها وما لم يصح.
نقف الآن على نص كريم يُستعمل من قِبل بعض الجهال أو المغرضين لإثارة الشبهة حول
ندّية المرأة الخَلقية للرجل على خلاف المعنى الذي سيق لأجله، وهو: "وليس الذكر
كالأنثى"، ونعرضه بسياقه ليتسنى لنا فهمه وشرحه..
قال تعالى:
{إذ قالت امرأة عمران ربِّ إني نذرتُ ما في بطني محرراً فتقبَّل مني إنك أنت السميع
العليم * فلما وضعتْها قالت ربِّ إني وضعتُها أنثى والله أعلم بما وضعتْ وليس الذكرُ
كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أُعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم * فتقبَّلها
ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً..}[1]
نلاحظ أن أول ما يُستلمح من جملة "وليس الذكر كالأنثى" أن قائلها هو امرأة عمران
وأن هناك حكمة من إيراد الله ــ سبحانه وتعالى ــ لهذا القول! ثم أن الله تقبَّل
وليدتها وهي أنثى على خلاف ما ظنَّتْ امرأة عمران وقدَّرتْ!!
فقد ظنَّت، على ما يظهر من ظاهر اللفظ القرآني، أن وليدتها الأنثى لا تصلح لِما
نذرتْهُ في حملها، فأتى كلام الله مخالفاً لظنها، حيث تقبَّل اللهُ مريمَ قبولاً
حسناً وأنبتها نباتاً حسناً!
والواضح "الجلي" من النص أن الله تقبَّل مريم لا النذر وحسب! وأنه تفضَّل بالمزيد (أي
أنبتها منبتاً حسناً)! وهنا مفتاح فهم النص وحل اللغز المشتكل على أفهام البعض.
أما الغاية من ورود جملة "وليس الذكر والأنثى" فهو بيان مضمون ذاك الاعتقاد، وهل هو
صحيح أم غير صحيح.
قال الأستاذ محي الدين الدرويش:
المراد بالخبر في قوله: "وليس الذكر كالأنثى" نفي الاعتقاد السائد بين الناس بوجود
تفاوت بين الأولاد، وإن هذا التفاوت الذي يبدو للوهلة الأولى إنما هو أمر ظاهري لا
يثبت عند الابتلاء والتجربة، فإن الغيب أعمق غوراً من أن يسبروه، وأبعد منالاً من
أن يدركوه، وكم من النساء مَن فاقت الرجال وأربت عليهم في الدرجات، وقد تعلَّق أبو
الطيب المتنبي بأذيال هذا المعنى البديع بقوله:
ولــو كــان الـنـسـاء كـمَـن فـقـدنـا لَفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا الــتـذكـيـر فـخـر للهلال[2]
قال العلامة السيد محمد حسين فضل الله:
إن قوله تعالى: "وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنثَى" ليس وارداً في مقام تفضيل الذكر على
الأنثى في القيمة الإنسانية الدينية، لتكون دليلاً على الفكرة التي تؤكد ذلك، بل
الظاهر أنها واردة في المورد الخاص، وهو مسألة خدمة بيت المقدس التي كانت مخصصة
للذكور دون الإناث من خلال التوزيع الطبيعي للمهمات بين الذكور والإناث، ما يعني
توزيع الأدوار باعتبار أن كل واحد ميسَّر لما خُلق له.[3]
وبهذا البيان "الجميل" أختم هذه الفقرة، وفوق كل ذي عِلم عليم.
الحواشي:
[1] سورة آل عمران، 35-37.
[2] إعراب القرآن الكريم وبيانه، محي الدين الدرويش، دار الإرشاد، ط1، مج1، ص498.
[3] تفسير من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج5، ص349.
(من موقع: العلويين الأحرار : www.alaweenonline.com )
|
|