|
|
New Page 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين،
وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛
وبعد!
بين أيدينا الآن نصوص قرآنية كريمة تندرج في باب الفرع الذي يحتاج النظرُ فيه
الرجوعَ إلى الأصل كي يُستَجلى معناه الخاص؛ وبين أيدينا أيضاً نصوص أخرى: نبوية
شريفة، وإمامية معتبرة، تمثّل نموذجاً لرؤىً تربوية خاصة أو تجسيداً لحالات
اجتماعية معينة.. فنسأل اللهَ ــ تعالى ــ أن يوفِّقنا في عملية تأويل ما تشابه
منها، وفي مقاربة ما أُحكم من بيّناتها، وفي استظهار ما صح منها وما لم يصح.
هذا نص جديد، وحديث آخَر، يدور في فلك المرأة ويتخذها محوراً له..
نص فيه وصف"فظيع" للمرأة إذا ما أُخذ بظاهره دون الغوص في مدلوله البعيد وغايته
الحقيقية..
فيه يقول الإمام علي بن أبي طالب ــ ع ــ:
"المرأة عقربٌ حلوة اللَّسْبَة".[1]
فهل قال ذلك ــ كرَّم اللهُ وجهَه ــ على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز؟
وهل أطلقه على العموم أم أراد به الخصوص..؟!
أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن، سأحاول الإجابة عليها في سياق هذا البحث المتواضع!
قلتُ في وقفة سابقة بأنني لم أتطرَّق في كل دراستي حول المرأة إلى ميزان الجرح
والتعديل المستعمَل في دراسة الأحاديث.. وذلك اعتماداً مني على الأصل "المحكم" من
كتاب الله، وعلى المنطق العقلي في قراءة الأحاديث وضبطها وفق الرؤية القرآنية
العميقة والشاملة..!
ومررتُ في محطة سابقة على الحديث النبوي الصحيح ــ حسب مصادر أهل السنة ــ الذي
يقول: "إن المرأة تُقبل في صورة شيطان وتُدبر في صورة شيطان".[2] وخرَّجتُه على أصل
أثر تلك الصورة "اللاشيطانية في الحقيقة" على الرجل "القابل للإثارة" جرَّاء تعرّضه
لأدنى محرِّض ثم أتيتُ على رأي علماء المسلمين "المعتبرين" في إثبات ذاك المعنى
لذاك الحديث الشريف[3].
وأشرتُ فيما مضى إلى أنني ــ وإنْ كنتُ غير راغب بتأويل النصوص على غير ما أراد لها
أصحابها أو تحميلها ما لا تحمل ــ أحب التنويه إلى أمر بالغ الأهمية، هو: إن كثيراً
من النصوص تُقال وتُطلَق لأمْر خاص، أو لخصوصية معينة.. فنرى أحد أئمة المذاهب
الأساسية في الإسلام (الأربعة) يخطِّئ سابقه بطريقة تثير التساؤل، ويعود سبب قيامه
بذلك إلى رغبته في صرف الناس عن الافتتان بالإمام الراحل وتقويض مذهبه الذي يرى في
كثيرٍ من مناحيه ما يناقض المذهب الأم!
وقلتُ أننا نجد في حالتنا هذه، النصوص المتعلِّقة بالنساء، أن التنبيه أو التوصيف
يقوم على أساس التعميم (واقع العموم) مع عدم نفي وجود الحالات الخاصة المخالفة،
وينطلق من أرضية معينة وهي الواقع المعاش آنذاك؛ وربما أُريدَ به توطئة لظروف قادمة
قد بانت بوادرها، أو تهيئة لحادثة معينة أو إشعار بخطر ما.. فيكون غاية النص
الانطلاق من الواقع غير المحبب إلى مستقبل مرغوب به، ومأمول، عن طريق التأسيس لذاك
المجتمع المنشود، فيُبنى على خصوصية الواقع الفعلي المعاش في الظروف الراهنة
ويُنبَّه من خطوراته ويؤسس بطريقة ما إلى الوضع المراد الوصول إليه؛ وهذه الحالة
كثيرة الحدوث في ديننا العظيم (الإسلام)! فمَن نظر إلى أمْر الرق والتسرّي،
والتشريع الإسلامي بخصوصهما، لَعلم وضع القرآن الضوابط العدلية العاجلة لضمان حقوق
المستضعفين وتهيئة الظروف والمناخات للخلاص من تلك الظواهر غير الإنسانية بالحث على
العتق والفداء، وبيان أصل المساواة في الدين..
وبعد هذه التوطئة البسيطة أُقارب نصنا المدروس بعناية ودراية، والله الموفِّق وهو
الهادي.
أقول:
شبَّه أمير المؤمنين علي ــ ع ــ المرأة بالعقرب من منطلق معرفته بطبيعتها وحقيقة
تكوينها، وعلى أساس تشبيه الفِعل بالفِعل لا الخَلقة بالخلقة! بمعنى: الأداء العام
أو رد الفِعل الطبيعي والآلي بين مخلوقين (اثنين) لا تشبيهاً للطينة بالطينة أو
الجبلَّة بالجبلّة.
أيْ: أُريدَ بالنص توصيف فِعل، وتوضيح آلية الرد.. ليتفهَّمها الرجل، ويجيد التعامل
معها!
فالمرأة مجبولة على العواطف، وفِعلها قائم على "الانفعال العاطفي" أكثر من قوامه
على "الحساب العقلي"، وهذا على العموم، وأكثره في الحالات التي لا تُنذر بالخطر ولا
تتطلب عناية فائقة. وليس هذا الأمر بعيب في المرأة، أو عليها، وإنما نتاج طبيعي
للفطرة التي فُطرتْ عليها.
فكل محب، أو كل شخص مندفع بعواطفه تجاه الآخَر، يبادر بردة فعل خاطفة وقاسية إذا ما
استشعر خطراً محدقاً أو إذا ما شعر بغبنٍ ما!
وقد نبَّه ــ في تقديرنا ــ الإمامُ علي (ع) إلى هذه الحقيقة لنحترم المرأة ونفهمها
ونجيد التعامل معها، بحُسن رعايتها وكريم مكافأتها على تلك العواطف النبيلة.. ولذلك
قال: "حلوة اللَّسْبة"، أي: حلوة اللسعة.
فالمرء يحب مَن يحبه ويقبل ما يترتب على تلك المحبة، ويعتبر ردة فِعله الشديدة
القائمة على المحبة في أساسها شيئاً جميلاً وحلواً. كما يقال بالمثل العاميّ: ضرب
الحبيب زبيب!
ونستذكر، ولا ننسى، قول الحق ــ تبارك وتعالى ــ الذي يقرن فيها الذكور بالإناث،
كُلّ حسب عمله ومكانته، ودون تمييز[4]:
{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين
والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات
والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات
أعدَّ لهم مغفرة وأجراً عظيماً}[5]
ونكتفي بهدي القرآن الكريم، وكفى بربنا هادياً، فلا نأخذ إلا بقوله الحق أو بما
استند عليه، كقوله البيّن الفصْل:
{يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورُهم بين أيديهم وبأيمانهم بُشراكم اليوم جناتٌ
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم}[6]
فهل المرأة التي يسعى نورها بين يديها (أمامها) وبأيمانها (على يمينها) يوم القيامة
جزاءً لإيمانها وصدقها وجهادها.. تكون عقرباً في الحقيقة؟
وبهذا البيان العذب الجميل أختم هذه الفقرة، وفوق كل ذي عِلم عليم.
الحواشي:
[1] نهج البلاغة، قصار الحكم: 61.
[2] صحيح مسلم، كتاب النكاح.
[3] قال الإمام النووي ــ شارح صحيح مسلم ــ:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا
أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه" وفي الرواية الأخرى: "إذا
أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في
نفسه". هذه الرواية الثانية مبينة للأولى. ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة
فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له فليواقعها ليدفع شهوته وتسكن
نفسه ويجمع قلبه على ما هو بصدده. قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المرأة تقبل في
صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان" قال العلماء: معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى
الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ
بنظرهن وما يتعلق بهن.
[المنهاج في شرح صحيح المسلم بن الحجاج، الإمام يحيى بن شرف النووي الشافعي]
[4] قال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
إن فطرة المرأة ليست مخالفة لفطرة الرجل، فكلتاهما تقبل الخير والشر، والهدى
والضلال، كما قال تعالى:
"ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح مَن زكَّاها وقد خاب مَن
دسَّاها".
[سورة الشمس، 7-10]
(يرجى مراجعة فقرة "أمير المؤمنين" من المحطة السابقة التي نعالج فيها قضية "نقص
المرأة")
[5] سورة الأحزاب، 35.
[6] سورة الحديد، 12.
(من موقع : العلويين الأحرار : www.alaweenonline.com )
|
|