المسجد في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ وبعد!
إخواني المؤمنون، أخواتي المؤمنات..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
تعلمون ــ أيها الأحبةُ ــ أهميةَ دور الدين في حياة الإنسان، حيث الدين هو مصدرُ الراحةِ الروحية، ونبعُ الطمأنينة النفسية، ومقوِّم التوازن الإنساني الأول وضابطه، وبالتالي هو أساس سعادة الإنسان الحقيقية الدائمة!
وتعلمون ــ أيضاً ــ أهمية "بيت العبادة" في سائر الديانات التي عرفها الإنسان، السماوية منها والوضعية، أي ما أُنزل منها من السماء وما وضعه الإنسان ذاته، حيث تجدون في سائر أصقاع الأرض دُوْراً للعبادة ومراكزاً للخدمات الدينية!
وليس ذلك بسبب حركة الديانات عبر الأزمنة والتاريخ، أيْ ناتج تطورها وانتشارها بقدْر ما هو حاجة الإنسان ــ نفسه ــ إلى "المعبد" كـ: "جسد" بعد حاجته إلى "الدين" كـ: "روح"!
فليس الإنسان ــ أيها الأحبة ــ هو الصانع للدين، ولا مخترعه الأول، وإنما متلقي تلك الحاجة وذاك الغذاء من رب السماء الذي خلقه وأوجده!
وليست العبادة الفردية، من صلاة ودعاء وغير ذلك، بملبّية لكافة حاجات الإنسان الروحية والنفسية والجسدية، فما يحتاج الفرد: السليم الفطرة، والصحيح الذوق، أكثر من ذلك بكثير.. وكما أن الإنسان يتشارك مع بقية المخلوقات الحية بكثير من صفات الوجود والحياة فإنه يشاركها أيضاً صفة الحاجة إلى بني جنسه لحياة طبيعية سوية، وهي الغريزة المشتركة الأهم بينه وبينها بعد غريزتي الحياة والموت، والتي هي غريزة: القطيع!
فمثلث الغرائز هذا، الرئيسي، والمتفرِّع عنه سائر الغرائز، هو المحرّك المادي الأول والأخير للإنسان، وهو الممثل لجسد الحاجات الإنسانية من كيان الدين، الذي هو: "بيت العبادة"، أو: "الجامع والمسجد"! فكما أسلفنا القول من قبل: هناك حاجة إنسانية إلى الدين تمثِّل جانب "الروح"، وهناك حاجة إلى المعبد للقاء الإنساني، والتفاعل الإيماني الجماعي، تمثِّل جانب "الجسد".
أيها الأحبة، إن "بيت العبادة" بالنسبة للمسلمين هو الجامع، بمعنى: ليس بيتاً للعبادة وحسب، بل بيتاً للتربية، وبيتاً للقاء الإنساني الطاهر والحي، وبيتاً للدراسة، وبيتاً للصُلح والصلاح الأهلي ــ الاجتماعي، والصُلح والصلاح الإنساني ــ الفردي؛ وبيتاً بألف معنىً سامٍ ومعنى!
ولهذا نستطيع أن نقول عن جامع المسلمين، والذي يُسمى "المسجد" نسبة إلى أشهر وأجلّ صفةً يُعرف بها، أنه يجمع مثلث الوجود الغرائزي، ويقوِّمه، ويضبطه.. وبالتالي، وبالضرورة، يُمثِّل ركيزةَ صلاحِ الإنسان الأولى والأخيرة على هذه الأرض!
فالجامع ــ أيها الأحبة ــ أُنشئ ليكون مدرسة ومعبداً، للروح على صعيد الفرد والجماعة، وللنفس، وللجسد!
نتعلَّم فيه ونتأدَّب، ونقوِّم حياتنا كلها بكافة مناحيها، وهذا هو معنى الجامع!
فليس المكان الذي يتجمَّع فيه أيُّ نوعٍ من المخلوقات بجامعٍ وإنْ كان مجمعاً، بل تجمُّعاً أو مؤسسة أو شركة أو هيئة أو غير ذلك.. أما مع اجتماع ما يخص الروح والجسد، والسماوي والأرضي، يصبح للمكان اسم: "الجامع"؛ وهو جامعنا (الجامع الإسلامي)!
فرأس الغرائز "غريزة الحياة"، والتي يُعبَّر عنها بالغرائز الأساسية الثلاث التالية: غريزة الجنس وغريزة الطعام وغريزة الشراب، تبدأ من الجامع الإسلامي، وتنتهي به، فالجامع هو الذي يبدأ بإعداد الأطفال لحياة مباركة طاهرة تراعي مراحل النمو، فالنضوج، فالزواج وتكوين الأسرة المستقلة؛ وهو الذي يقوِّم الحياة الأسرية الحالية، ويضبطها، ويضمن سلامتها بالحدود والأحكام التي يُعلِّم كيفياتها وغاياتها التي أُشرعتْ من أجلها، والتي رُكِّبتْ عليها؛ وهو كذلك بالنسبة لسائر الآداب والحاجات، من طعام وشراب وغير ذلك!
وكذلك حال غريزة الموت، والتي يُعبَّر عنها بالغريزة العدوانية، أو: العدائية، والتي تتجلى واضحة بتحقيق غريزة: حُب الأنا، أو: حُب التملُّك، عند المرضى؛ والسعي الحثيث نحو غير المادي، أو: ما وراء هذه الدنيا، عند الأسوياء والعاقلين.. فالجامع الحقيقي هو الضابط المحقق لخير كل ذلك، بأجمل صوره، وأشرف حالاته..
وكذلك حال "غريزة القطيع"، أو: حب الاجتماع، الغريزة الإنسانية الأسمى والأجمل، فالجامعُ جامعٌ لغاياتها، ومنطلق لها وضابط!
إذاً، ليس الجامعُ مكانَ صلاةٍ وحسب؛ وليس قصده (بمعنى الذهاب إليه) عملاً روتينيّاً فاقداً للطعم والروح.. وإنما الجامعُ مدرسةٌ للحياة، ومنارة للإنسان، وملاذ للأسوياء وطالبي الرقي والارتقاء وللمرهقين وذوي الاحتياجات الخاصة على حدٍّ سواء!
فهل يعني هذا بالضرورة، أو يتطلَّب للتمام والكمال، أن يكون إمام المسجد خبيراً بالعلوم النفسية والطبيعية كخبرته في العلوم الدينية والروحية، فضلاً عن ملكاته الشخصية من مواهب الخطابة وفن إيصال الأفكار إلى الناس.. الجواب: نعم، وأكثر من ذلك وأعمق، ما لم يمنع وقوعه وحدوثه الوضعُ الراهن والواقع الحالي، وهو ما يُعالَج بخضوع إمام المسجد (الخطيب ذاته) إلى دورات تأهيلية مختصة ومكثفة، وخضوع خُطَبِه إلى مراجعةٍ من قبل مختصين حتى إتمامه التأهيل المطلوب، وهنا نضمن سلامة المنبر وسلامة مَن أطاع ربّه بالإصغاء إلى الشخص المعتلي ذاك المقام!
وهنا ــ يا إخواني وأخواتي ــ تتكشَّف لنا مشكلة جوامعنا، وإشكاليات الكفاية والإيصال والإقناع بين الخطباء والوعاظ وبين المستمعين والمتلقِّين!
فهل توضَّح دور المسجد في الإسلام، أو: الجامع في حياة الإنسان؟ وهل من حلٍّ لمشاكلنا الجامعية؟
الجواب: نعم؛ وحلُّ كافة مشاكلنا يبدأ من الانطلاق من النفس. من الاعتراف بمواطن الخلل ونقاط الخطأ إلى القصد الصحيح لأنجع الحلول، إلى الجد والصبر حتى تحقيق المراد.. وهذا العشم بكم وبأمتنا؛ عشم نبيكم الكريم ــ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ــ، الذي أخلص وأوفى.. وعشم كل مُصلِح ونبيل..
أخيراً، نحمد الله حمداً عظيماً، كبيراً، دائماً ــ أبداً، على نعمة الإسلام ومنة الإيمان، ونستغفره ونتوب إليه؛ والسلام عليكم ورحمة اللهِ وبركاته..
سام علي